محمود المليجي عملاق «الأرض» ابن النيل

القاهرة – خالد بطراوي|


إنهم حقا جيل من العمالقة، ذلك الجيل من ممثلي السينما، والمسرح العرب في الاربعينات، الذي يوصف بأنه جيل العمالقة، خصوصا ان كلا منهم قد ترك علامات بارزة لفنه وموهبته في الافلام والمسرحيات التي مثلها، والتي يرى الجيل الجديد اكثرها من خلال المحطات الفضائية العربية في هذا الزمن!

والقبس تحاول جاهدة، بهذه السلسلة التعرف على طبيعة التجربة السينمائية الأولى في مشوار كل نجم من نجوم السينما الذي قامت عليه مسيرته الفنية، حتى صار تاريخه صرحا عملاقا في تاريخ الفن بعامة، ولعلها تستطيع ان تنفض عن اسمائهم غبار النسيان، ونكران الجميل، الذى اسهم فيه الاعلام العربي بنصيب وافر.


ليس الشرير دائماً مفتول العضلات، هذا ما أكده زعيم الأشرار على شاشة السنيما محمود المليجي، الذي إذا ذكر اسمه تبادرت إلى الذهن أدوار الشر العديدة التي برع في أدائها لدرجة جعلته رمزاً لهذه النوعية، لكن محمود المليجي كان مدرسة مستقلة بذاتها في الأداء الفني رغم كم الشر الذي قدمه على الشاشة، إلا أنه برع في أدوار الإنسان الطيب، الذي يجعل الجمهور يتفاعل مع مأساته، كما في فيلم «الأرض» وبقية الأفلام التي قدمها مع المخرج يوسف شاهين، وكذلك في الأدوار التلفزيونية، التي قدمها لاحقاً ونالت استحسان ملايين المشاهدين داخل مصر وخارجها.

كان محمود المليجي متفرداً فعلاً في موهبته، ولو عمل في هوليوود لأصبح سبنسر تراسي الشرق، ولو كان في لندن لكان إليك جينييس، ولو كان في روما لأصبح فيتوريو دي سيكا، ولو كان في باريس لأصبح جان جابان، ولو كان في برلين لأصبح كورت جيرفز، لكنه في مصر أصبح «أنطوني كوين حي المغربلين» وجبار الشاشة، وشرير الشاشة، بل إن النقاد الفرنسيين الذين شاهدوه في فيلم «الأرض» عام 1970 قالوا عنه إنه «ممثل عملاق» جاء من بلاد النيل، أعظم من أنطوني كوين، وأقوى من مارلون براندو.

ويسجل التاريخ للمليجي أنه كان صاحب مدرسة في الإلقاء، بمخارج ألفاظ لاتخطئها الأذن، وصاحب حركة مميزة بتعليق يده اليمنى في أزرار جاكته.

أسطورة «محمد أبو سويلم»

اللافت أنه على الرغم من أن محمود المليجي كان من أكثر الممثلين اشتراكا في المهرجانات السينمائية الدولية بأفلامه، فانه لم يحضر بنفسه سوى مهرجان واحد في موسكو عام 1972، أثناء عرض فيلم الأرض، للمخرج يوسف شاهين، والذي قدم فيه محمود المليجي شخصية «محمد أبو سويلم» التاريخية، شخصية الفلاح الذي يؤمن بالثورة.. وبأن من واجب الفلاحين أن يتحدوا ليواجهوا العنف بالعنف لكي يحصلوا على حقوقهم المهضومة، فبكى المشاهدون وهم يرون على الشاشة أبو سويلم وهو يتعرض للضرب بقسوة، ولكنه لا يبالي بما يتعرض له ويصر على الإمساك بحفنة من تراب أرضه في مشهد مؤثر ويتسم بوطنية غير مسبوقة، أداها المليجي بموهبة تلقائية، زادها بحرفية وخبرة السنين.

وانطلاقا من هذا الدور، خرج بذلك من أدوار الشر، وقدم الأدوار الإنسانية والاجتماعية المتنوعة، أدوار الأب والمحامي والفلاح والطبيب، وغيرها وكان يحلم بأن يقدم جزءا ثانيا لفيلم «الأرض»، لأن هذا الأخير ينتهي بالإقطاعي وهو يسحل الأسطورة «محمد أبو سويلم» على الأرض، ولم يقل الفيلم إنه مات أو لم يمت.

السينما والكوميديا

جدير بالذكر ،أن محمود المليجي لم يقدم في بداياته أدوار الشر، والتي لم تأته إلا بعد أن قدم أول افلامه مع فاطمة رشدي، التي قدمته في دور كوميدي في فيلم «الزواج» عام 1933، فكان أول فيلم سينمائي له، والذي لم يحقق نجاحاً عند عرضه بسنيما كوزمو بالقاهرة، فإذا بالفيلم يفشل، ويستقيل محمود المليجي من فرقة فاطمة رشدي، ويعود مرة ثانية إلى فرقة رمسيس المسرحية حتى يتسنى له نسيان تجربته الأولى الفاشلة في فيلم «الزواج» التي ظلت تطارده أينما ذهب.

ولمن لايعرف، فإن الفن المصري عرف المسرح قبل السينما بسنوات عديدة، وكانت منطقة وسط القاهرة تزخر بالعديد من الفرق المسرحية التي تقدم مسرحيات تجذب المشاهدين من كل أنحاء مصر، لدرجة أن الأعيان والأغنياء من خارج القاهرة، كانوا يأتون الى العاصمة في زيارات تستغرق عدة أيام من أجل مشاهدة مسرحية أو أكثر، ويقطنون الفنادق ذات المستويات المتفاوتة مابين الشعبي والفخم، فتسع الفقير والغني، وكانت تقع في معظمها آنذاك في منطقة وسط القاهرة.

زواج على وجه السرعة

على الجانب الآخر، كان محمود المليجي قد صادف الحب للمرة الأولى في فرقة رمسيس، وعاش قصة حب مع زميلته الفنانة علوية جميل، تكللت بالزواج عام 1939، وقد ظل وفياً لها طوال حياته، ولم يرزقا بأبناء، فما اهتز حبه لها يوماً، لكن في عام 1963، وبعد ربع قرن من حياة لم تمر بها سحابة خيانة، ارتكب المليجي ما اعتبرته زوجته سقطة الأوفياء، إذ تزوج فتاة دون الثلاثين هي فوزية الانصاري، كانت تعمل في مسرح إسماعيل ياسين، وظهر معها في أكثر من مناسبة، ولم يعارض في أن تلتقط لهما صور فوتوغرافية.. لكن علوية جميل تصدت للموقف وأجبرته على أن يطلق زوجته في اليوم الثالث للزواج.. فرضخ لفرمانها وطلق فوزية.