قرار مستحق.. وتصرُّف حضاري

أصدر مجلس الوزراء التونسي قراراً يحظر فيه على أي جماعة دينية أن تنشئ حزباً سياسياً «بالتمترس وراء شعارات دينية»، على أساس أن الجمهورية التونسية هي كيان سياسي مدني، كما نص عليه دستورها، وهو قرار مستحق… وهو كلام جميل، ولكن لا نعلم ماذا سيكون مصير  الغنوشي وجماعته المنضمة للاتلاف الحكومي في تونس ولها عدة مقاعد في برلمانها؟!.. ومن المعروف أن الغنوشي وجماعته هم ذراع جماعة الإخوان المسلمين في تونس، وهي جماعة زاد من يطلب رأسها مؤخراً، خصوصاً بعد اندلاع الأزمة الأخيرة.. ونحن وإن كنا مع حرية الرأي والتعبير واختيار العقيدة والفكر.. فإن أفعال هذه الجماعة بالماضي والحاضر تشي بأنها لا تؤمن بهذه المبادئ إلا لتوصيلها لمقاعد السلطة، أو مقاعد اتخاذ القرار، وأنها حين يستتب لها الأمر في تلك المقاعد، فسرعان ما ستقلب ظهر المجن لتلك المبادئ التي أتتنا من الدول والمجتمعات المتحضرة، ولا دخل لأدبيات وما قاله فقهاء الإخوان المسلمين، قدماؤهم ومحدثوهم، في هذا الأمر!

نتمنى أن نرى يوماً تنتقل فيه هذه الصحوة المستحقة إلى الحكومات العربية، وعلى رأسها حكومة دولة الكويت الرشيدة، لكي تحجم هذه القوى ولا تعطيها أكثر مما تستحق، وتفتح عيونها جيداً عليها.

يكفينا التهاون اللامتناه الذي مارسته هذه الحكومة في مواجهة عتاة التطرف والتكفير والتبجح بالقتل والنحر على الهوية، والتي جاءت أسماؤهم بقوائم من هيئات دولية ودول كبرى لتنضم لها مؤخراً دول شقيقة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، التي وضعت أسماء هؤلاء في قائمة الخطرين على مستوى العالم، من دون أن تحرك حكومتنا الرشيدة ساكنا – كالعادة – وهو أمر فعلاً وحقاً غير منطقي وغير مفهوم أو مهضوم!

* * *

التسامح والتعايش مع الآخر الذي لم يحاربك ولم يعادك أمر حضت عليه كل الأديان، بما فيها الدين الإسلامي، بزواجره ونواهيه ومستحباته، ولكن المنتسبين للغلو والتزمت وعدم التعايش مع الآخر وتكفيره، حتى لو انتمى إلى نفس العقيدة، ما زالوا في غيهم سادرين من دون رادع من خلق أو دين، أو حتى ردع من بعض الدول بحجة حرية الرأي والعقيدة…

ما أثلج الصدر وأعجبني على الرغم من المنغصات الأصولية التي تحيط بنا من كل جانب هو ما حدث الأسبوع الماضي في دول الكفر كما يحب أن يسميها أهل الغلو والتكفير، والتي قام شبيبتنا بها قتلاً وذبحاً في أكثر من بلد أوروبي، كما شهدنا وعانى مدنيو تلك البلدان المدنيون الأبرياء من هوس هؤلاء بالإجرام الدموي المتأصل في نفوسهم من جراء ما تلقوه من جرعات غلو وتكفير وتزمت!

ونرجع إلى الموضوع الذي أثلج الصدر وهو افتتاح أكبر مسجد إسلامي في ميونخ الألمانية..

والحدث الثاني الذي لم يلق عليه الضوء هو مشاركة العاهل البلجيكي الملك فيليب إحدى الأسر المسلمة في مدينة غينت البلجيكية على الحدود الهولندية مائدة الإفطار، وهو تصرف حضاري في أن يشارك الملك أسرة مسلمة وجبة إفطارها، لإعلان تضامن وعدم رفض البلجيكيين للآخر، مهما كان انتماؤهم الديني والعقائدي مثيراً للجدل.. وقد تناول الملك الوجبة مع عائلة «بن جدو» المغربية بحضور ستة من أحفاد صاحب البيت، مما يعني أن ثلاثة أجيال من المسلمين تناولوا الإفطار مع الملك البلجيكي، وهو دليل التعايش والتماسك..

ونحن من هذا المنبر المتواضع نشيد بتصرف العاهل البلجيكي الإنساني الحضاري الذي نقدمه للمسلمين كافة، المعتدلين وغيرهم، عسى أن يعيد التعقل والبصيرة إلى منحرفي العقيدة والبصيرة منهم!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


علي أحمد البغلي

Ali-albaghli@hotmail.com