سعيد بنسعيد العلوي يتحدث عن «الإسلام السياسي»

شاهد أو حمل هذا المقطع والمزيد على يوتيوب بدون دعايات

ليلاس سويدان|

منذ سقوط جدار برلين وقيام ما سمي بثورات الربيع في الدول التي كانت خاضعة للنفوذ السوفيتي، سابقا، ظهر عالم أحادي القطب، وبدا أن الديموقراطية الليبرالية انتصرت، وحلت فكرة العولمة بوعود التعايش وفق نظام منفتح موحد المعايير. بيد أنه ما لبثت ظاهرة صراع الهويات أن انفجرت في أوروبا نفسها. وفي عالمنا العربي برزت النعرات الطائفية وبمحاذاتها صراع الإسلام السياسي مع الدولة الحديثة. زادت حدة هذا الصراع إلى درجة تمزيق الدولة أشلاء، وتهديد السلم الاجتماعي واضطهاد الأقليات بصورة غير مسبوقة أفضت إلى موجات من الهجرات، ومن تفريغ المجتمعات من تنوعها، أو تحويل هذا التنوع نفسه إلى عصبيات منغلقة، لكنها قابلة للاشتعال والتفجر. فشلت ثورات الربيع العربي في إحلال صيغ ديموقراطية متطورة تسهم في ترسيخ دولة المواطنة ما يعود في قسم منه إلى دور الإسلام السياسي في تحويل مسارها. والقبس تفتح هذه الملفات الشائكة بمساهمة عدد من المفكرين يشتركون في تحليل الوضع القائم ووضع صيغة للتعايش والسلم الأهلي وتدعيم مفهوم عقلاني للدولة.

يرى المفكر والباحث المغربي د. سعيد بنسعيد العلوي أن الحركات المنضوية تحت ما يسمى بـ«الإسلام السياسي» لا يمكن فهمها بالرجوع إلى مصادر تاريخ الفكر السياسي في الإسلام بقدر انتمائها للواقع المعاصر وأزماته، كما يؤكد، في حواره مع القبس، في حديثه عن الصراعات ذات الأبعاد الطائفية والمستندة إلى الهوية على مقتضيات العيش المشترك واشتراطاتها الثقافية والسياسية.

◗ هل فشل الإسلام السياسي في توطين الفكرة الإسلاموية في المجال السياسي؟ ألم يظهر أنه يعاني أزمة تتأرجح بين تحقيق متطلبات العقيدة وتحقيق متطلبات الإدارة السياسية؟

– تستدعي الإجابة عن هذا السؤال المتشابك الأجزاء أن نسعى، في أول القول، إلى تبين معنى «الإسلام السياسي» من جهة ثم أن نستشف مغزى ما تنعتينه بـ«الفكرة الإسلاموية» من جهة أخرى. يتعلق الأمر برفع التباس شديد يحف بنعت «السياسي» في اقترانه بالإسلام، التباس يشوش على الفهم. ومن جهة النظر التي أصدر عنها- جهة نظر مؤرخ الفكر إجمالا، والمنشغل بتاريخ الفكر السياسي في الإسلام خاصة- فإنني أقصد بعبارة «الإسلام السياسي» كل الحركات السياسية التي تسعى إلى امتلاك السلطة التنفيذية، وإلى إحداث قلب تام في نظام الوجود السياسي خارج الطرق السياسية الشرعية، مع الدعوة إلى ممارسة العنف الذي لا يتحرج من ممارسة الإرهاب في شتى صوره وتجلياته، وكل ذلك مع التلويح بشعار الإسلام والدعوة إلى إقامة نظام «الخلافة» أو «الدولة الإسلامية»، أو «الدولة الإلهية»، في مقابل ما تنعته بالدولة الشيطانية، وهذه المفاهيم كلها تتساوى وتتداخل.

وانطلاقا من محاولة التحديد المبدئي هذه يصح القول إن الفكرة «الإسلاموية»- كما في عبارتك- هي الفكرة أو العقيدة التي تعبر عن إرادة إقامة «الدولة الإسلامية» كما يفهمها دعاة وأنصار الإسلام السياسي «أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، وتلامذتهم من الأسماء الكثيرة التي تعج بها المواقع الإسلاموية».

هل يصح الكلام عن فشل «الإسلام السياسي» في التوفيق بين مقتضيات العقيدة، من جهة أولى، ومتطلبات العمل السياسي- كما يفهم دعاة الحركات «الجهادية» أو «نزعات» السلفيات الجهادية ذلك العمل: أقصد خارج دائرة الشرعية والمشروعية معا، في التسليم بالعنف في مختلف أشكاله وتجلياته- بما في ذلك الفعل الإرهابي بطبيعة الأمر؟، الجواب عندي بالإيجاب على نحو لا تردد فيه.لا، بل إني أقول إن دعوى «الإسلام السياسي» تحمل بذرة فنائها في جوفها.


«ربيع عربي» أم انتفاضات عفوية؟

◗ لو اتفقنا على أن الإسلام السياسي يواجه مأزقا كبيرا بعد ما يسمى «الربيع العربي» هل تظن أنه يمكن ان يتجاوزه؟ وكيف ترى مستقبله في المنطقة؟

– أوافقك تماما على جعل عبارة «الربيع العربي» بين مزدوجتين، والأحق هو الحديث -بالأحرى- عن الانتفاض العربي. والقصد عندي بهذا التمييز هو التسليم المبدئي بأن مختلف حركات الاحتجاج التي شهدها الشارع العربي في الكثير من المدن والعواصم العربية، منذ مستهل سنة 2011، إنما هي تعبير عن حال من التذمر والرفض لواقع عربي يتسم بالسوء في العديد من تجلياته، الفساد السياسي، الظلم الاجتماعي، تفشي البطالة، شيوع الفوضى، اضطراب في منظومة القيم الاجتماعية، غياب الرؤية الواضحة.

وفي عبارة واضحة فقد كان الاحتجاج العنيف الذي بلغ حد إطاحة بعض الأنظمة السياسية، ورموز الفساد، كان ولا يزال تعبيرا عن واقع غاية في السوء- ومن ثم فلا فائدة في الاستكانة مرة أخرى إلى فكرة المؤامرة على الإنسان والبلد العربيين. غير أن حركات الاحتجاج تلك، في تونس ومصر وليبيا واليمن، وإلى حد ما في المغرب، وإن كان هذا الأخير قد وفق- حتى الآن- وإلى حد ما في مجاوزة الأزمة، لا تقبل أن ترد في معرض المقارنة مع حركات «الربيع» في العديد من بلدان الاتحاد السوفيتي القديم، وكذا في بعض دول المعسكر الشرقي، تشيكوسلوفاكيا وبولونيا. وكما كتبت مرة ليس لحركات الشارع العربي، منذ 2011، من الربيع سوى مظهر واحد هو أن قادة الاحتجاج ووقوده معا شباب. وهذا أمر يعكس معطى ديمغرافيا وهو أن ما يناهز 60 في المئة من ساكنة العالم العربي شباب. تلك الحركات انتفاض لا ثورة لسبب واضح: انها عمل عفوي أسهم في إنجاحه بنصيب هائل التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الشبكة، ووجد في التذمر الشامل تربة صالحة وصادف من ريح الحداثة تهيؤا نفسيا عند الشباب العربي. في هذا المعنى نقول إن الانتفاض العربي هو كذلك من سمات العصر ومقتضيات العولمة.

على أن الأساسي والحاسم في عمل حركات الانتفاض العربي ظل غائبا وهو النظرية التي تساعد على الفهم وتنير الطريق. لنقل إن الداء العضال الذي تشتكي منه حركات الاحتجاج العربي وما لا يزال يجعل منها عرضة لكل أنواع الفعل التلقائي غير مقدر العواقب هو انعدام العماد الثقافي الذي يمكن بدوره من الإجابة عن سؤال الهوية.


حالة بالغة التعقيد

وأضاف العلوي:

هل نقول إذن إن الإسلام، لحمة الوجود الاجتماعي في البلاد العربية، يواجه بعد «الربيع العربي» أزمة، كما ورد في سؤالك؟، لا أحسب أن الأمر يمثل على هذا النحو. أقول هذا لاعتبارين اثنين على الأقل: أولهما هو أن «الإسلام السياسي» تعبير عن أزمة تعرفها المجتمعات العربية الإسلامية: أزمة يتداخل فيها السياسي والاجتماعي والثقافي والسيكولوجي وتجد في المكونات الإسلامية التي تشكل لحمة الروحي-الثقافي في تلك المجتمعات ما هي في حاجة إليه من الهواء الطبيعي للتنفس، ومن التربة الملائمة للنمو.

وفي دراستي التي أشرت إليها في معرض الإجابة عن السؤال الأول طرحت السؤال التالي: هل يستمد «الإسلام السياسي» مكوناته من تاريخ الفكر السياسي في الإسلام؟، وفي استعراض للقضايا الكبرى التي عرض لها ذلك الفكر (في أشكاله التعبيرية عند كل من المتكلمة/والفقهاء، والفلاسفة، وكتاب «نصائح الملوك» أو مرايا الأمراء)، تبين لي أنه لا شيء من ذلك. ثم إني ساءلت الفكر العربي الإسلامي في عصر النهضة، السؤال ذاته، فتبين لي من خلال الوقوف عند مختلف مفكري الإسلام في عصر النهضة أن فكر هؤلاء الأخيرين يقف من أطروحات دولة الخلافة، أو الخلافة الثانية، كما يلح البعض من الإسلاميين على قول ذلك، و«الدولة الإسلامية» على طرفي نقيض. فضلا عن كون «الحاكمية»- قطب الرحى في الإسلام السياسي، ليست غير واردة فقط بل إنها «غير مفكر فيها» كما يقول ميشال فوكو.

وثاني الأمرين هو أن القضايا الجوهرية التي تعني الإسلام (قضايا العقيدة، تلك التي تتصل بصحيح الإيمان وبالفيصل بين التكفير والإيمان، وقضايا الاجتهاد وما يتصل به من تنظيم شروط وجود المسلمين في عالم لا يتوقف عن التغير)- هذه القضايا لا تعني «الإسلام السياسي» في شيء. ذلك ما نتبينه من فحص أكثر نصوص هذا الأخير تداولا في الشبكة، في مواقع دعاة هذا الفكر.

ما أود أن انتهي إليه هو أن الإسلام السياسي حالة، أو في لغة العلوم الإنسانية، ظاهرة اجتماعية- سياسية-ثقافية-سيكولوجية بالغة التعقيد فعلا، بيد أنها تقبل الرصد والفهم من جهة أولى، ولا تجد تفسيرا لها إلا في ضوء الواقع المعاصر.


عقد اجتماعي للمواطنة

◗ كيف ترى حل المعادلة بين الفسيفساء الطائفية والمذهبية في الوطن العربي، التي تنفجر من دون قبضة أمنية قوية تخفي مظاهرها، وضرورة تركها لتظهر على السطح حتى يمكن معالجتها بدل إنكارها؟

– ما تنعتينه بالفسيفساء الطائفية في الوطن العربي (وفي بعض بلاد هذا الوطن تحديدا)، يعكس أزمة فعلية أخرى، أو لنقل إذا شئنا إنه يعبر عن أزمة الوجود السياسي-الاجتماعي في العالم العربي في مستوىٍآخر، هي أزمة الولوج الفعلي لأزمنة الحداثة: عالم المجتمع الحديث من حيث إنه تآلف أو ائتلاف بين قوى اجتماعية متصارعة يوجد بينها حد أدنى ضروري من الاجتماع عند مصالح مشتركة. عالم ديدنه الاعتراف بوجود الاختلاف وبالحق في الاختلاف، وبالتالي اعتبار الغير أو الآخر المخالف شريكا وفاعلا في المجتمع الواحد المشترك باسم «المواطنة». وفي عبارة جامعة الوجود الاجتماعي على أساس الحضور الفعلي والدائم لمقتضيات عقد اجتماعي يقر شروط المواطنة ويقعد مكونات العيش المشترك، وفي مقدمتها الحق في الاختلاف وقبول العيش المشترك. فالأزمة إذن هي حاصل العبث بكل هذه الشروط والمكونات، وفي اللغة المتداولة: أزمة الديموقراطية وتدبير شؤون العيش المشترك.


أزمة عميقة

◗ هل ترى أن النعرات الطائفية والهوياتية الثقافية كانت أثرا من الآثار الجانبية لما بعد الحداثة؟

– إذا كنت تقصدين بهذا السؤال وطننا العربي تحديدا فالجواب عندي هو أن تلك النزعات، في حدتها وصراعها، تعبر عن أزمة عميقة: أزمة ولوج الأزمنة الحديثة وقبول سنة التطور ومقتضيات العيش المشترك.


 


المشترك الثقافي


◗ مأزق الهوية التي تتآكل على مستويين، أولها المستوى الفردي الذي يصيغ هويته من منظور قيمي للمنظومة الليبرالية، والثاني على مستوى الهوية الجمعية في الدولة الوطنية، هل الثقافة هي المأزق أم الحل؟

– أظن أننا في حاجة إلى مزيد تأمل في دلالة كل من «الحق في الاختلاف» من جهة أولى، وما تستوجبه طبيعة ومقتضيات «العيش المشترك» من جهة ثانية.

فأما الحق في الاختلاف فإن أول ما يفيده هو الاعتراف للغير المختلف عني بحقه في الاحتفاظ بهويته. ومتى تحدثنا عن الهوية فنحن نجنح، ربما دون قصد منا، إلى التقوقع خلف حاجز أو سياج لا نسمح باقتحامه ولا نريد التفريط فيه، إذ إن ذلك يعني فناء الذاتية المميزة وبالتالي الهوية. وأما مقتضيات العيش المشترك فإنها لا تستوجب فقط الاعتراف بالآخر غيرا مختلفا عني بل ومخالفا لي، بل إنها تعني التنازل عن البعض من مكونات الذاتية الثقافية أو الهوية لهذه الجماعة، ومن ثم الطائفة أو، في الوطن العربي إجمالا، القبيلة، أو تلك في المجتمع، باعتباره مجالا مشتركا ستدعي وجود المواطنة وإقرار شروطها- التنازل عنها من أجل بناء ما أسميه «المشترك الثقافي». غير ان الأمر الجديد يطرح إشكالات أخرى: إشكال الأقلية أو الأقليات وحقوقها، إشكال تداول السلطة التنفيذية، إشكال إقرار الحياة السياسية الطبيعية السليمة- تلك التي تستدعي، بدورها، الفصل بين السلطات الثلاث والإعلاء من شأن القانون والوقوف أمامه سواسية وفي كلمة جامعة إقرار قواعد للتنظيم السياسي للوجود الإنساني مع احترام تلك القواعد، وبالتالي التشوف إلى التحقق الفعلي لدولة الحق.