بين فرنسا والكويت.. التغيير المستحق

التغيير الكبير الذي أحدثه فوز الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون، وهو الشاب (39 سنة)، إذ تمكن بعد أن شكّل حزباً جديداً قبل سنة ونصف بعيداً عن الحزبين التقليديين، اليمين والاشتراكيين، أن يحقق فوزاً كاسحاً، وتمكن من خلال هذا الفوز أن يغير الخريطة البرلمانية التقليدية في فرنسا، وها هو بحزبه الجديد الذي يتكون في أغلبية مرشحيه من حديثي عهد بالعمل السياسي يحقق فوزاً آخر كاسحاً، يتمثل بالسيطرة على ثلاثة أرباع الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) في انتخابات يوم الأحد 2017/6/18، وليتمكن من إقصاء معظم أعضاء الحزبين اللذين هيمنا على مقاليد الحياة السياسية الفرنسية منذ تبني دستور الجمهورية الخامسة في عام 1958.

لا شك في أن الفرنسيين على الرغم من عراقة نظامهم السياسي ورسوخ ممارستهم الديموقراطية وفعالية مبدأ تداول السلطة في دولتهم، وعلى الرغم من جدية حكوماتهم وأعضاء برلمانهم بالمقارنة مع ممارستنا المحدودة والممتلئة بالمثالب والمصالح الشخصية الضيقة، قد يئسوا من عدم مصداقية أعضاء برلمانهم بحزبيهما العريقين، ووجدوا فيهم عجزا وقصورا عن تلبية مطالبهم وطموحاتهم الوطنية بإدارة رشيدة وإنجازات تحقق مصلحة بلدهم، فكان هذا التغيير الهائل، وبكل تأكيد، المستحق، ليكون رسالة مدوية لقياداتهم السابقة، إن الممارسات الخاطئة والفساد السياسي والمالي مآله للزوال مهما ظن الجاثمون على سدة إدارة حكومة الدولة وبرلمانها العريق أنه لن ينالهم التغيير.

لا شك في أننا في الكويت تواقون لتغيير مماثل ومن سنوات على مستوى تغيير جذري في أسلوب تكوين الحكومة وطريقة إدارتها للبلاد، وتغيير معظم أعضاء مجلس الأمة الذين منذ 1992 لم تكن أغلبيتهم إلا معاول هدم وعرقلة لمسيرة الدولة، بل ومصدرا لشيوع الفساد فيها، بل كلما توخينا أن يكون المجلس التالي أفضل من سابقه، فوجئنا بمجلس أسوأ وأكثر هزالة وفساداً، وهو ما دفعني ودفع بالكثيرين من أبناء الشعب الكويتي إلى أن يتمنوا زوال معظم الطبقة السياسية السائدة والمهيمنة بالكامل، حتى يستأصل الفساد ويبدد الإحباط، حيث وصل الشعور عند أبناء الكويت بأن التغيير على هذا النحو ضرب من ضروب المستحيل والأمنية التي تشابه الأحلام.

وطالما ظللت ورددت أن التغيير بالكويت لأت حتى ننهي برلمانات متعاقبة ليس لها برنامج إصلاحي، بل ضيعت المصلحة الوطنية ولا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الخاصة أو الحزبية أو الفئوية، ولكي تنعم الكويت بإدارة حكومية إصلاحية بحق خالية من أصحاب المصالح ومؤيديهم، قادرة على التصدي للفساد ومحاصرة رموزه لا أن تكون غطاء أو مبرراً لهم.

إن حدث التغيير في الانتخابات الفرنسية يؤكد سنة الله الجارية، وهي أن دوام الحال من المحال، وأن التغيير الحكومي والبرلماني للأفضل لا محالة قادم، وإن رآه البعض بعيداً، وهو ما يجدد فينا الأمل والتفاؤل.. وإن المستقبل القريب لناظره قريب، لينعم أهل الكويت بحكومة وبرلمان يحققان طموحاتهم الوطنية.


أ.د. محمد عبد المحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net

al_moqatei@