بيت الفنان في بلدة حمانا: أنشطة ثقافية وفنية

بيت الفنان في بلدة حمانا: أنشطة ثقافية وفنية
شاهد أو حمل هذا المقطع والمزيد على يوتيوب بدون دعايات

انديرا ــ مطر بيروت |


في مساء أيلولي من نهاية هذا الصيف، التقينا برجل الأعمال ومؤسس «بيت الفنان» في بلدة حمانا، روبير عيد. حصل اللقاء في مقهى بساحة البلدة الجبلية، بلدة الاصطياف اللبناني والخليجي، وذلك للتعرف على أنشطة هذه المؤسسة الفنية الجديدة الناشئة منذ نحو سنة تقريباً.


فضاء ثقافي

«يحز بقلبي أن أرى القرى مهجورة من أهاليها»، قد يكون هذا الحافز الرئيسي، الذي دفع برجل المال والمصارف روبير عيد، الى تأسيس هذا الملتقى الفني والثقافي. وفي سرده قصة ولادة هذا البيت، يخبرنا أنه خلال تنقله المستمر ما بين لبنان ومقر عمله في دول الخليج، كان يلحظ ان القسم الأكبر من اهالي بلدته يهجرونها تدريجياً الى المنافي القريبة والبعيدة. ويكتشف ايضا أن الجيل الشاب لا يولي الشأن الثقافي المحلي أي اهتمام. من هاتين الهجرة واللامبالاة ولدت فكرة انشاء هذا المشروع، بهدفين: شخصي من خلال تحقيق خطوة مغايرة تضفي بعض الألق الى حياة روبير عيد المهنية، وعام عبر المساهمة في تثبيت الأهالي في بلدتهم من خلال تأسيس فضاء يستقطب اللبنانيين من كل المناطق، اضافة الى السياح العرب والاجانب.

وحين نسأل صاحب «بيت الفنان» عن جدوى الاستثمار في مشروع ثقافي، وهو رجل اعمال ومصرفي، يقول: «أمضيت فترة طويلة من حياتي أفكر في ميزان الربح والخسارة (المادية) بحكم مهنتي، وأسعى الى أن أراكم أرباحاً للمصرف الذي أعمل به، ثم فكرت بمشروع لا يجني المال بالضرورة، بل الاكتفاء المعنوي، الى ان عرض هذا المنزل القديم للبيع فخطر لي ان استثمره لتحقيق مشروعي».


جولة في «بيت الفنان»

اصطحبنا عيد الى «بيت الفنان»، فإذا هو مبنى تراثي جميل يعود تاريخ بنائه الى أكثر من مئة عام. استخدم المبنى في السنوات الأخيرة كمدرسة رسمية، ومن ثم تحول الى مكتبة، قبل ان يشتريه ويخضعه لعملية توسعة وإعادة تأهيل شاملة. فهو كان مؤلفاً من طبقة واحدة، ثم تقرر ان يضاف اليه طابقان، ليضم صالات للتدريب الفني، ومساحات لاستضافة الفنانين، وورشة سينوغرافيا، وقاعة عرض، ومسرحاً في الهواء الطلق، وذلك لإحياء الحياة الفنية والثقافية في حمانا على مدار العام، وليس بهدف إقامة مهرجان فني ينتهي في ليلة أو ليلتين على شاكلة المهرجانات الفنية، التي تقام في بلدات الاصطياف اللبناني.

منذ تأسيسه دأب «بيت الفنان» على تقديم برنامج فني ثقافي متنوع بين عروض الأفلام والمعارض التشكيلية والحفلات الموسيقية. واستقطب على مدار السنة استضافات فنية وثقافية دائمة. كما يقيم المركز حلقات تدريب وورش عمل فنية في مختلف المجالات مع التركيز على فنون العرض والفنون البصرية.


خارج التصنيف

يتميز النشاط الفني العام لهذا البيت باستقطابه واحيائه حفلات فنية لفنانين، يعتبرون خارج التصنيف الفني التجاري الرائج، ممن آثروا ان تكون لهم شخصية فنية خاصة ومميزة، مثل اللبناني عبدالكريم الشعار الذي استعاد في امسياته أغنيات التراث العراقي للفنان ناظم الغزالي، والفنانة اللبنانية فاديا طنب الحاج، التي أنشدت في حفلها أغاني من أشعار جبران خليل جبران، باللغتين العربية والإيطاليّة. كل هذه الاختيارات تنعكس على جمهور «بيت الفنان» النخبوي في ذائقته الفنية، وغير المنجرف مع تيار الفن الرائج. وهو جمهور لا يقتصر على أهالي البلدة وجوارها، بل ان معظمه من بيروت، ومن المصطافين العرب. ويخبرنا عيد أن آلاف الزوار قصدوا «بيت الفنان» خلال العام الفائت، وأنه استضاف 350 فنانا.

وما يميز أيضا هذه المؤسسة الفنية انها تدار إدارة فنية جماعية من قبل «مجموعة كهربا»، وهم مجموعة شباب من أصحاب الاهتمامات الثقافية والفنية المتنوعة، وبعضهم من البلدة نفسها.

اللافت في هذا المحترف الفني ليس اسمه فحسب، بل اختلافه واختلاف انشطته عن مجمل ما يقام من مهرجانات فنية صيفية في لبنان، وقد يكون هذا الاختلاف متناسبا مع طبيعة مجتمع «حمانا» وتاريخها وعمارتها. فليس من منزل في «حمانا» مشيّد بالاسمنت أو بالباطون، ومعظم بيوتها من حجر قديم، وساحتها هي اياها، وكذلك سوقها التقليدي العتيق، منذ قرون، عندما كانت بندراً (سوقاً) للحرير، وتجارته في القرن التاسع عشر.

ولا بد من الإشارة الى ان حمانا تاريخيا هي مركز اصطياف يقصده الخليجيون الباحثون عن إقامة هادئة بعيداً عن صخب الاصطياف في مدينة بحمدون. وهي المرتبط اسمها بالشاعر الفرنسي لامارتين، الذي قصدها وسحر بطبيعتها الخلابة، وأفرد لها صفحات في كتابه «سفر الى الشرق»، حتى أصبح له في حمانا وادٍ باسمه هو وادي لامارتين.