المفكر ناجح إبراهيم يتحدث عن التجديد

القاهرة – محمد الشاعر |


مع تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية، سواء في مصر أو في دول اخرى، برزت دعوات كثيرة تطالب بـ«تجديد الخطاب الديني» خاصة الإسلامي، محملة إياه، في بعض نصوصه، أسباب التطرف الديني، وظهور الجماعات التكفيرية والميليشيات المسلحة، والفهم المغلوط لتفسير بعض الأحكام والشرائع، واختزالها في الجهاد ضد غير المسلمين، بل وغير الملتزمين بهذه التفاسير من المسلمين أنفسهم.

وشغلت القضية، ومازات، مساحة واسعة من الفكر المجتمعي والنخبوي، في عديد من البلدان الإسلامية، خصوصا مصر، متأثرين بما تموج به المنطقة العربية من أزمات سببها الإرهاب والفكر المتطرف، ما دفع إلى المطالبة بضرورة تجديد الخطاب الديني لسد الثغرات، وتجفيف منابع الفكر المتطرف، وإعادة رسم صورة صحيحة للإسلام الذي وصمه الغرب بالإرهاب والتطرف.

واللافت للنظر، أنه بالتزامن مع طرح قضية «الخطاب الديني» مجتمعياً، تزايدت حدة التعاطي مع التراث الإسلامي، سواء بالتشدد في التفسير من بعض رجال الدين والدعاة، أو بالتسفيه والسخرية. القبس تفتش في أوراق هذه القضية الشائكة، في حوارات خاصة مع عدد من المفكرين والأدباء ورجال الدين والسياسيين، في حلقات، نطرح فيها أسئلة جريئة تدور حول مفهوم تجديد الخطاب الديني، ودور المؤسسات الدينية في لعب هذا الدور، وهل يحتاج التجديد الى توحيد المفاهيم، وهل تسبب الخطاب الديني بالفعل في تفشي ظاهرة التطرف، وهل سينجح التجديد في القضاء على الإرهاب، وما المعايير الضابطة والمطلوبة لمعالجة الخطاب الديني؟

يعد المفكر الإسلامي المصري، الدكتور ناجح إبراهيم، واحدا من قلائل عاصروا فترة الإرهاب والتطرف الديني في حقبة الثمانينات، وشاركوا في المراجعات الفكرية التي قامت بها مع المتشددين في السجون المصرية، خاصة أن ناجح إبراهيم كان المنظّر الأول للجماعة الإسلامية، وخرج من السجن الى الحياة العامة بعدما أعلن صراحة خطأ ما كان يعتقده، وغيره، من أفكار، ويصبح واحداً من مشاهير الوسطية في الطرح، من دون غلو، حتى في معارضته لأمور سياسية أو دينية، كما لم يتراجع عن التغيير الذي طرأ عليه، كغيره ممن عادوا الى تبني الفكر الجهادي والعنف سبيلاً لتغيير الحياة السياسية في مصر. من هنا تكمن أهمية محاورته في قضية تجديد الخطاب الديني.

◗ ما رؤيتكم لمسألة تجديد الخطاب الديني، وهل لها استخدامات سياسية؟

– الخطاب الديني يحتاج فعلاً إلى تجديد، ولا يعني ذلك الانسلاخ من الدين أو محو الهوية الدينية أو إلغاء الشريعة الإسلامية، ولا يتعلق ذلك بهدم الثوابت، لكنه يعني أن نتحول من خطاب التكفير إلى خطاب التفكير، وإلى خطاب الهداية بدلا من التكفير، لأن الله تعهدنا بهدايته وتقريب الخلق للخالق، أما مسالة التكفير فهي مهمة القضاة.


خطاب الأولويات

ويضيف ناجح إبراهيم:

هناك أربعة معان لا بد من التركيز عليها وهي: نحن دعاة لا قضاة، ونحن دعاة لا بغاة، ونحن دعاة لا قساة، ونحن دعاة لا ولاة، فلا نستلب اختصاصات الحاكم، وهذه المعاني الأربعة لو أخذ بها من يتحدث عن الإسلام لأصبح خطابه فاضلاً، فلابد أن نحول خطاب التنفير إلى خطاب التيسير، إذ إن كثيرا من الخطابات تنفر الناس من الدين ولا تبشرهم، كخطاب تنظيم داعش، والميليشيات الشيعية في العراق، وهناك مقولة للشيخ الغزالي يقول فيها «إن نصف الذين كفروا على وجه الأرض يتحمل بعض الدعاة مسؤوليتهم لأنهم قدموا إليهم الإسلام بطريقة سيئة، وخطاب التبشير يعين الإنسان على شيطانه ولا يعين شيطانه عليه، إضافة إلى خطاب الأخوة.. فعندما تكلم القرآن عن الأنبياء عند مخاطبة الكفار سماهم بالإخوة «وإلى عاد أخاهم هوداً».. وهكذا. وذلك قبل أن يسلموا، فالمسلمون أخوة للناس جميعاً من رحم آدم وحواء، ولأن الدعاة جاؤوا إلى خير الناس، فالداعية الذي لا يحمل الحب للناس عليه أن يودع ميدان الدعوة، وعليه أن يصحح إيمانه لأن هناك رحما بين الناس مشتقا من أبيهم آدم وأمهم حواء.

وفي مجال تجديد الخطاب الديني هناك خطاب الأولويات.. فجميع الحركات الإسلامية يغيب عنها خطاب الأولويات وفقهها، وهو مهجور مثل الذي يقدم الفروع على الأصول، أو يهتم بالسنة قبل الفروض، ويهتم بغسل بدنه وتطهيره ولا يطهر قلبه.

ويضيف ناجح إبراهيم: أهم أولويات الأمة الآن حقن الدماء، والجميع لابد أن يركز على خطاب واحد وهو كيف تتوحد الأمة، وكيف نحقن دماءها، وطالما أن هناك ميليشيات تكفيرية موجودة داخل المنطقة مثل «داعش» فلن يحدث ذلك، فنحن فعلنا كما فعل أهل العراق عندما سألوا ابن عمر عن دم البرغوث، فقال لهم تقتلون ابن بنت رسول الله وتسألون عن دم البرغوث، فكذلك الميليشيات الشيعية تسأل عن التوافه وهي في الوقت نفسه تقتل وتقوم بهدم المساجد.

هناك خلل في فقه الأولويات، وهناك من يحول الخطأ إلى خطيئة، والخطيئة إلى كفر، وبعضهم يقدم الحرب على السلام، والكراهية على الحب، ويقيم الجماعة على جثث الأوطان، فقه الأولويات الأهم فيه الآن هو وحدة العرب والمسلمين، ووقف نزوح اللاجئين.. فكل اللاجئين هم من بلاد العرب والمسلمين وهذه كارثة، وفضيحة.

تجديد لا تبديد

ويستطرد منظر الجماعة الإسلامية:

من أهم الأشياء في تجديد الخطاب الديني أن يُجدد ولا يبدد، ولا يفرغ الإسلام من محتواه، ولا يقدس اجتهادات المسلمين.. فالدين يضيع بين جامد وجاحد، فالجاحد يضلهم بجحوده، وللأسف إسلامنا الآن بين جامد وجاحد.

أما عن الاستخدامات السياسية لتجديد الخطاب الديني فأولاً تجديد الخطاب الديني حق، ولكن البعض استخدمه في الباطل؛ فبعض الحكام يريدون منه تطويع الدين للبقاء في كراسيهم، وبعض العلمانيين يريدون منه القفز على صحيح البخاري وتدميره تمهيداً لتدمير السنة. هناك قلة تريد تجديد الخطاب الديني على وجهه الصحيح، ولكن الغالبية تريد استخدامه في هدم الثوابت وصحيح الدين.

وهناك قاعدة مهمة، أن على الداعية أن يكون مع ثوابت الدين في صلابة الحديد، ومع متغيراته في مرونة الحرير، ولكن التجديد وقع بين متشددين يريدون التعامل مع كل شيء في الإسلام على أنه من الثوابت، وبين غلاة العلمانيين الذين يريدون تحويل الإسلام كله إلى متغير، فلا حجاب، وشرب الخمر جائز، والمصادقة بين الفتيات والرجال حلال.. وهكذا، والإسلام لابد من الحفاظ على ثوابته، فهو كالبيت لابد أن يكون فيه أعمدة ثابتة لا نهدمها، ولكن نستطيع التغيير في الديكورات والترتيبات الداخلية في المنزل وهكذا.


مسؤولية عامة

◗ هل هناك مبررات لتجديد الخطاب الديني؟ ولماذا الآن؟

– نعم هناك مبررات لتجديد الخطاب الديني، والحركات الدينية تحتاج إلى تجديد، وبعض المؤسسات الدينية اعتراها «العطب وتكلست» وتحتاج إلى تجديد، شريطة أن يكون تجديدا لا تبديدا.

◗ هل تقع مسؤولية تجديد الخطاب الديني على عاتق مصر وحدها؟

– تجديد الخطاب الديني مسؤولية العالم الإسلامي كله، كما أنها مسؤولية الدعاة وعلماء الإسلام الكبار، ومسؤولية الحكام أيضاً، فالحكام حين يصلحون يجددون.. فعمر بن عبدالعزيز كان حاكماً وجدد في الدين، وكذلك العلماء أمثال الإمام الشافعي، والإمام محمد عبده والشيخ عبدالحليم محمود، كلهم جددوا في الدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يبعث على رأس كل 100 عام من يجدد للأمة دينها».

تقديم المصالح على المفاسد

◗ ما دور المؤسسات الدينية في مسألة تجديد الخطاب الديني؟

– يقع عليها العبء الأكبر، خاصة أن الحركات الإسلامية الآن توجد داخل السجون والمعتقلات، إضافة إلى ذلك يقع العبء أيضاً على الحركات الإسلامية، فيجب أن تجدد في خطابها وتقدم المصالح على المفاسد، وألا تصطدم بالحكومات حتى لا يدخل أبناؤها السجون، ولا يقع بينها وبين بقية المسلمين دماء، وكل هذا يحتاج إلى تجديد. فالقيادي التونسي راشد الغنوشي، وعبدالفتاح مورو قد جددا في لغة الخطاب، وقالا: خير لنا أن نكون في المعارضة بدل أن نكون في السجون.

كما يجب تجديد المؤسسات الدينية، وأدوات الحكم، والحركة الإسلامية جميعها تحتاج إلى تجديد خاصة فيما يتعلق بموضوع «الشرعية، والشريعة» فهل يمكن أن يتم التنازل عن الشرعية من أجل الشريعة، وحقن الدماء؟ الشريعة لا يمكن التنازل عنها، ومعالجة مسألة الخلط بين الشرعية والشريعة هي مسألة مهمة، لأن حقن الدماء أكبر وأولى من أي شرعية لأي حاكم مهما عظم حكمه، فهناك تنازل عن الحكم من أجل الدين وحفظ دماء المسلمين وأنفسهم.


قياس خطأ

◗ هل تسبب التراث الإسلامي في تفشي ظاهرة التطرف والإرهاب؟

– التراث الإسلامي ينقسم إلى قسمين، الأول: أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأحاديث إن كانت في الصحيحين فهي لا غبار عليها، وهي سبب كل خير وبر، وهذه الأحاديث تلقتها العصور الأولى وحتى الآن ولم يحدث إرهاب.

والقسم الثاني، وهو فتاوى العلماء والفقهاء القدامى، وهذه ليست معصومة، فالفقهاء القدامى أفتوا لزمانهم، وكل مفتٍ يجب أن يفتي لزمانه، والفتوى لها ضوابط قوية، ففتاوى ابن تيمية مثلاً في جيش التتار أخذها البعض وأجرى عليها قياسا خطأ، وليس ذلك عيباً في ابن تيمية أنه قد حكم على جنكيز خان بالكفر، ولكن العيب على من يأخذ هذه الفتوى ويطبقها على الواقع الآن، وعلينا أن نتعامل مع الفقهاء القدامى لا بالتقديس، ولا بالتبخيس، فلا نبخسهم حقهم ولا نقدسهم.

ويضيف ناجح إبراهيم: الغريب أن العلمانيين يشنون الآن حملة على الإمام البخاري الذي قضى عمره في جمع الأحاديث الصحيحة، وفي صحيح البخاري نحو 14 حديثاً يوجد حولها خلاف، وفيها نقض، ولكن العلمانيين لا يريدون نقض حديث أو اثنين، بل يريدون نقض البخاري ونسفه كله تمهيداً لنسف السنة.


دور الأزهر

◗ هل ترى أن مؤسسة الأزهر يقع على عاتقها اللوم في عدم مواجهة الفكر المتشدد والمتطرف بشكل أفضل؟

– أولاً أكثر الذين يهيلون التراب على الأزهر ليس لهم علاقة بالفكر الإسلامي بالمرة، وهم يريدون هدم الأزهر، والغريب أنه بعد كل عملية إرهابية لتنظيم «داعش» يهيلون التراب على الأزهر وشيخه، وكأن شيخ الأزهر قائد لداعش، أو أنه مطالب بأن يجري خلف عناصر داعش في البراري والزراعات!

الأزهر أكبر مؤسسة دينية تعليمية في العالم الإسلامي، وله تاريخ يزيد عن الألف عام، وكل الحكام تدخلوا في شؤون الأزهر، وصودرت أوقافه التي كان يمكن لها أن تدعم الأزهر مادياً لتحقيق رسالته بشكل أفضل، وتم إعطاؤها لوزارة الأوقاف، وشيخ الأزهر الحالي لا يتقاضى راتبه، ولا يتحصل على مكافآته، ويرفض هدايا الملوك والرؤساء التي تقدر بالملايين، كما أنه أحد الفلاسفة الإسلاميين، ومن أسرة صوفية زاهدة، ومع هذا تكال له الاتهامات، وللأزهر الذي يعد أكبر قوة ناعمة لمصر وللعالم السني، والآن هناك من يريد قتله.


شروط لازمة


◗ هل يسهم تجديد الخطاب الديني في القضاء على الإرهاب؟

– تجديد الخطاب الديني لن ينفع في القضاء على الإرهاب، لأن مسألة التجديد حقيقة لا تتم إلا في مجتمع صحي، وصحيح المفاهيم، فلا يفلح تجديد الخطاب الديني إلا مع تصحيح الخطاب السياسي، وإعلاء سيادة القانون، وتجديد الطرح الإعلامي، وكل هذه المعاني غائبة في معظم بلاد العالم الإسلامي، فهناك عدم احترام للقواعد القانونية، وهناك من يستخدم القانون ألعوبة في يده فلا يصلح تجديد الخطاب الديني الآن في القضاء على الإرهاب.

عندما أراد الخليفة عمر بن عبدالعزيز،أن يجدد في الخطاب الديني نجح في ذلك لأنه قد طبق كل هذه المعايير على نفسه أولاً، أما الآن فالمجتمع «مهلهل»، فكيف ينجح تجديد الخطاب الديني في ظل نسبة البطالة العالية، كما أن تجديد الخطاب الديني يحتاج إلى  مجتمع متسامح، وإلى رحمة وحب، وكل هذه المعاني تكاد تكون غير موجودة حالياً في مجتمعنا.