الباحث الزعفراني يتحدث عن تجديد الخطاب الديني

شاهد أو حمل هذا المقطع والمزيد على يوتيوب بدون دعايات

القاهرة – محمد الشاعر|


منذ سقوط جدار برلين وقيام ما سمي بثورات الربيع في الدول التي كانت خاضعة للنفوذ السوفيتي، سابقا، ظهر عالم أحادي القطب، وبدا أن الديموقراطية الليبرالية انتصرت، وحلت فكرة العولمة بوعود التعايش وفق نظام منفتح موحد المعايير. بيد أنه ما لبثت ظاهرة صراع الهويات أن انفجرت في أوروبا نفسها. وفي عالمنا العربي برزت النعرات الطائفية وبمحاذاتها صراع الإسلام السياسي مع الدولة الحديثة. زادت حدة هذا الصراع إلى درجة تمزيق الدولة أشلاء، وتهديد السلم الاجتماعي واضطهاد الأقليات بصورة غير مسبوقة أفضت إلى موجات من الهجرات، ومن تفريغ المجتمعات من تنوعها، أو تحويل هذا التنوع نفسه إلى عصبيات منغلقة، لكنها قابلة للاشتعال والتفجر. فشلت ثورات الربيع العربي في إحلال صيغ ديموقراطية متطورة تسهم في ترسيخ دولة المواطنة ما يعود في قسم منه إلى دور الإسلام السياسي في تحويل مسارها. والقبس تفتح هذه الملفات الشائكة بمساهمة عدد من المفكرين يشتركون في تحليل الوضع القائم ووضع صيغة للتعايش والسلم الأهلي وتدعيم مفهوم عقلاني للدولة.

القاهرة – محمد الشاعر


طرحنا القضية على الباحث في شؤون الحركات الإسلام السياسي، خالد الزعفراني.. وهو واحد ممن ينتمون الى تيار الوسطية.

◗ ما رؤيتكم لمسألة تجديد الخطاب الديني، وهل لها استخدامات سياسية؟

– أولا الدين الإسلامي بطبيعته دين متجدد وملائم لكل العصور، والأجناس واللغات، وأغلب المسلمين الآن ليسوا من العرب حيث ينتشر الإسلام في أوروبا وأميركا، وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، والإسلام يخاطب كل هذه الشعوب بشكل يتلاءم مع عاداتهم وثقافاتهم، وكذلك يطرح القواعد الشرعية والفقهية بطريقة تلائم هذه الثقافات، وليس أدل على ذلك مما فعله الإمام الشافعي عندما غير فكره وفتاواه عندما قدم إلى مصر فكان له فقهان، فقه الإمام الشافعي في العراق، وفقه الإمام الشافعي في مصر، فأصول الدين ثابتة ولا تتغير، ولكن طريقة عرضها هي التي تتمتع بالمرونة.

فطريقة عرض الخطاب الديني، وتجديده يجب أن تنظر للثوابت، أي أنك لا تغير أصول الدين، ولكن المطلوب هو الحفاظ على الثوابت مع تغيير طرق العرض، ولكن الدعوة الآن لتجديد الخطاب الديني لا تخلو من استخدامات سياسية، حيث ان المطالبات بضرورة تجديد الخطاب الديني هى نتيجة لضغوط سياسية من اليساريين والعلمانيين ممن يفهمون خطأ أن المناهج الدينية التي يتم تدريسها في المعاهد والجامعات الأزهرية هي التي أنشأت الفكر المتشدد، والمتطرف، ولكن لو تتبعنا فكر المتطرفين نجد أنهم تخرجوا في جامعات لا تنتمي للأزهر، وأنهم تخرجوا في جامعات غير دينية كالأزهر، والقيروان في تونس، والفكر المتطرف كان منشأه بعض أفكار حسن البنا، وسيد قطب، ومحمد قطب، والمودودي، وكل هؤلاء لم يحملوا شهادات جامعية من الأزهر.

أبواب لا وجود لها

ويضيف خالد الزعفراني:

مسألة تجديد الخطاب الديني لا يستطيع أحد القيام بها سوى مؤسسة الأزهر، أو أي جامعة إسلامية، فهم الذين يستطيعون تجديد الخطاب الديني بما يلائم المجتمعات المختلفة خاصة المجتمعات الأوروبية، كما أن لغة المتون المعروفة في دراسة المواد الشرعية والفقهية هي لغة صعبة، وهي حمالة أوجه ومعان، وهناك بعض الأبواب الفقهية ليس لها وجود في عالمنا الحاضر مثل الجزية والرق وبعض أبواب الحروب، وكل هذا يحتاج إلى تجديد للخطاب الديني فيها، ولا دخل إطلاقاً لعلماء السياسة أو الاجتماع أو علماء النفس في مسألة تجديد الخطاب الديني، ولكن علماء النفس والاجتماع عليهم دراسة أسباب انتشار التشدد والتطرف لأنها في الأساس أسباب نفسية واجتماعية، وكل المتطرفين كانت نشأتهم في أوساط اجتماعية وبيئة فقيرة ولها أوجاعها، وعلى المفكرين أن يقدموا طروحاتهم للنظر فيها، لأن الدين مرن، والمفكرون يقدمون النصيحة لعلماء الأزهر في المسائل الفكرية التي تعن لهم، وعلى الأزهر أن يبحث في هذه الأفكار والطروحات لوضع أسس تتفق مع الشرع لتجديد لغة الخطاب الديني الخاصة بها وطريقة عرضها، كما أن على علماء الأزهر ممن درسوا في جامعات أوروبية، مثل جامعة السوربون في فرنسا، كشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وتعايشوا مع الغرب، واندمجوا في حضارات الشعوب الأخرى وشعوب مختلفة أن يتولوا مسؤولية تجديد الخطاب الديني.

التجديد أمر ملح

◗ هل هناك مبررات لتجديد الخطاب الديني؟ ولماذا الآن؟

– لا شك أن الإسلام يواجه الآن الاتهامات من الشرق والغرب بأنه دين القسوة، والقتل والوقوف ضد حرية الرأي والتعبير، وهذا يجعل تجديد الخطاب الديني أمراً ملحاً، ولابد أن يكون ذلك عن طريق العلماء، لأن بعض المطالبين بتجديده ليسوا مخلصي النية، وهناك أشياء كانت تلائم القرون الوسطى، ولابد أن يعاد طرحها بما يتوافق مع الحاضر، ومقاومة الإرهاب والفكر المتطرف مختلفة عن مسألة تجديد الخطاب الديني، فلابد أن ننشط في بيان رأي الأئمة في التكفير ونعرض مقارنات عن أفكارهم وفكر الخوارج الذي لا يختلف عن فكر «داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة» فهي حرفاً ونصاً فكر الخوارج الذين قتلوا الإمام علي بن أبي طالب، ولابد من عرض هذه المقارنات، كما أنه يوجد تقصير من بعض الحكومات العربية والإسلامية، والعلماء في الرد فكرياً على مثل هذه الأفكار، كما أنه يقع عبء كبير على وسائل الإعلام، وعلى الدول والحكومات التي اكتفت بمواجهة الفكر المتطرف بالحلول الأمنية.

◗ وهل تقع مسؤولية تجديد الخطاب الديني على مصر وحدها؟

– تقع المسؤولية على جميع الدول العربية والإسلامية، ولكن على الأزهر أن يلعب الدور الأكبر في مسألة تجديد الخطاب الديني، وإن لم يبدأ الأزهر فلن تبدأ هذه الدول في معالجة مسألة تجديد الخطاب الديني.

ولو قلنا بضرورة معالجة الفكر المتشدد نجد أن بعض من أرسوا قواعد الفكر المتشدد هم مصريون مثل سيد قطب، ولو استطاع الأزهر الرد على هؤلاء المتشددين لاستطاعت الدول العربية بالتبعية الرد على أصحاب الفكر المتطرف من العلمانيين واليساريين الذين يحاربون الفكرة الإسلامية أساساً، كما أنهم يرون أن تعاليم الدين جميعها تعاليم متخلفة، ولذلك فإن مناقشة الفكر الإرهابي عن طريق اليساريين والعلمانيين ستكون نتائجها عكسية، ولابد أن تناقش الفكرة مع علماء معتدلين، مع ضرورة ابتعاد جميع العلمانيين واليساريين عن المشاركة في تجديد الخطاب الديني، لأنهم في حالة عداء مع المنهج الإسلامي.

فقه الواقع

◗ وما دور المؤسسات الدينية في مسألة تجديد الخطاب الديني؟

– جميع الكتب القديمة التي تدرس في الأزهر لابد أن تشرح متونها شرحاً عصرياً، إضافة إلى تشكيل لجنة لإعادة صياغة المناهج الأزهرية لمخاطبة الشباب، والإمام الغزالي كانت له رؤية سابقة في هذا الشأن حيث نادى بذلك لأكثر من 30 عاماً مضت، وطالب بضرورة تعديل الطروحات في الأحكام التي تتناسب مع العصور السابقة، ولا تتناسب وهذا العصر، لأن الإسلام مرن، وفيه ما يسمى «فقه الواقع»، ومن المفترض ألا تتدخل مؤسسات أخرى في ضبط المناهج الدينية سوى الأزهر.. فهو المعني بتغيير المناهج، خاصة في المرحلة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، أما في مرحلة الجامعة فيستطيع الطلاب مناقشة الأساتذة، كما نستطيع توضيح الصورة الصحيحة للإسلام في الغرب، فالغرب لا يعرف من الإسلام سوى ارتداء النقاب، ويجب على العلماء القيام بإيضاح أن الحجاب هو الأصل، ويتحدثون عن الحب المجتمعي والعلاقات الأخوية بين الناس، وأن الإسلام يسع الجميع، ويتسع للنقاش والخلاف، وكل هذا من أساسيات تجديد الخطاب الديني، كما يجب توضيح أن المواطنة شيء أساسي، وأن جميع المواطنين هم مواطنون من الدرجة الأولى، وأن موضوع الجزية لابد من مناقشته مناقشة تتفق والعقل، كما يجب التطرق لموضوعات الجنسية وأنها تحدد المواطنة وأن الكل حر في اختيار عقيدته ودينه.

شاهد عيان

◗ هل تسبب التراث الإسلامي والخطاب الديني في تفشي ظاهرة الإرهاب؟

– أنا كشاهد عيان التقيت بالتكفيري شكري مصطفى وتعرفت على آرائه وجاورته لفترة ليست بالقصيرة، وكان يرفض كل كتب التراث وكلام بن حجر، والنووي، وهو كان يقول كل من قال لا إله إلا الله فهو مسلم لا يجب تكفيره، كما أن كل كتب سيد قطب فيها هجوم على الموروثات، وليس في التراث الموروث لا من قريب، أو من بعيد أي أثر في نشر التكفير، ونشوء التطرف الديني، والتكفير والتطرف بدأ في الثمانينات داخل السجون، واعتمد التكفيريون على كتب محمد قطب، وسيد قطب، والمودودي، وبعد ذلك تم العدول عن هذه الأفكار المتطرفة والموجودة في هذه الكتب من خلال المراجعات التي تمت عن طريق العودة إلى كتب التراث التي صححت المفاهيم الخطأ، ومن المستحيل أن تجد في كتب التراث من يكفر أو يدعو إلى القتل، ونشأة الفكر التكفيري التي تبناها شكري مصطفى وصالح سرية، على سبيل المثال، اعتمدت على كتابات بعيدة كل البعد عن كتب التراث، وأنا تعايشت مع التجربة وبشكل شخصي ولا أستطيع الرد على التكفيريين، والإرهابيين إلا من خلال كتب التراث.

دعاوى لا أساس لها

◗ هل ترى أن مؤسسة الأزهر يقع على عاتقها اللوم في عدم مواجهة الفكر المتشدد والمتطرف بشكل أفضل؟

– دعاوى تحميل الأزهر المسؤولية لو كانت وجهتها نقدية حقيقية لاستطعنا أن نتقبل هذا الطرح، ولكن هذه الدعاوى لا أساس لها من الصحة وهي دعاوى مغلوطة، فميزانية الأزهر محدودة جداً، وإمكاناته المالية ضعيفة، كما أن الأزهر لم تتح له فرصة التعبير الصحيح عن المفاهيم الواجب طرحها لمواجهة الفكر المتطرف، ولم تفتح له المجالات الإعلامية المتعددة من صحافة وإذاعة وتلفزيون، لنشر الفكر الوسطي الذي تقوم عليه الدراسة في الأزهر، ولم تتح له فرصة ظهور علمائه في وسائل الإعلام هذه لتفنيد مزاعم المتطرفين والمتشددين، واستسهلت الدولة الحلول الأمنية، كما أن الأزهر لا يملك قناة أو جريدة وكل محاولاته محدودة لضعف الإمكانات، في المقابل نجد وسائل الإعلام مكتظة بشخصيات معادية للفكرة الإسلامية أساساً تتم استضافتهم لمناقشة أفكار إسلامية، وبذلك يتم تضييع وإهدار قيمة علماء الأزهر الذين لم يتمكنوا من عرض آرائهم بوضوح.

ودعنا نسأل لماذا لا تستفيد الدولة من الآراء الفقهية لعلماء الأزهر وتقوم بنشرها في الأوساط المتشددة، كأن تقوم الدولة بإلقاء منشورات من الطائرات على الأماكن التي يوجد فيها التكفيريون في سيناء يفند فيها علماء الأزهر الآراء والمسائل الفقهية التي يعتمد عليها الإرهابيون في ارتكاب جرائمهم، والأزهر لديه علماء متمكنون في الفقه ويستطيعون الرد على الأفكار التكفيرية بكل سهولة ويسر.

ودعنا نؤكد حقيقة أن الأزهر في سبيل مهاجمة الفكر المتطرف فقدَ من علمائه على أيدي هؤلاء المتطرفين، فالشيخ الذهبي هو أول من قتله الإرهابيون لأنه تصدى للرد على آرائهم التكفيرية.

نوايا البعض سيئة


◗ وهل يسهم تجديد الخطاب الديني في القضاء على ظاهرة الإرهاب؟

– موضوع تجديد الخطاب الديني يعد جزءاً صغيراً من مقاومة ظاهرة الإرهاب الحالية، ولكن الجزء الأكبر يعالجه الرد على هذا الفكر المتطرف، وتفنيد الأفكار الموجودة في كتب المودودي، وكتب تنظيم القاعدة، والتي ألفها رموز التنظيم مثل الدكتور أيمن الظواهري، والرد على الكتب الحديثة «كتب التوحش» التي يعتمد عليها تنظيما «داعش والقاعدة» ولا أعتقد أن أحداً من هذه التنظيمات المتطرفة يأخذ من كتب الأزهر، أو يعتمد عليها، بل يهاجمونها ويحملون على كتب وأفكار علماء الأزهر وبشكل كبير، لأن العبارات الموروثة عن أئمة المسلمين تبتعد عن التكفير والعنف بشكل نهائي.

◗ في رأيك ما الضمانات الكفيلة بعدم انحراف القائمين على تجديد الخطاب الديني عن صحيح الدين خلال عملية التجديد؟

– الضمانة هي أن يقوم علماء الأزهر والدارسون والحاصلون على شهادات أكاديمية من الأزهر بعملية تجديد الخطاب الديني، ويتم تشكيل لجان لمراجعة المناهج بهدوء ودون تأثيرات خارجية، على أن تضم هذه اللجان علماء الأزهر من المبعوثين الذين تعايشوا مع الشعوب الأخرى، وتعايشوا مع الديانات الأخرى، حتى يمكنهم وضع صورة جيدة للخطاب الديني تتماشى وسماحة الإسلام، أما إذا ضمت هذه اللجان أعضاء من اليساريين أو العلمانيين فسوف يشوهون الدين، وتجديد الخطاب الديني منوط بالعلماء المسلمين خاصة علماء الأزهر، واعتمادا على فقه الواقع.